بقلم يوسف بن عمار – كاتب
كان عام ١٩٩٦ لحظةً هادئةً لكنها بالغة الأهمية في العلاقات الإسرائيلية التونسية. كان وقتًا، بعيدًا عن عناوين الأخبار وضجيج السياسة العالمية، اتُّخذت فيه خطواتٌ صغيرةٌ نحو رأب الصدع. في ذلك العام، أصبحت تونس واحدةً من الدول العربية القليلة التي استضافت مكتب اتصال إسرائيليًا في عاصمتها تونس. لم تكن علاقاتٍ دبلوماسيةً كاملةً، لكنها كانت شرارةً – لحظةً من التفاؤل الحذر في منطقةٍ يسودها التوتر.
خطوةٌ نحو التطبيع
لم يكن مكتب الاتصال مجرد مبنى. بالنسبة للكثيرين، كان يرمز إلى الأمل. رأى فيه الإسرائيليون من أصلٍ تونسي رابطًا ملموسًا بتراثهم. ووجد التونسيون أنفسهم أيضًا يتساءلون عن إمكانات هذا الفصل الجديد. هل يمكن للحوار أن يحل محل عقودٍ من العداء؟ هل يمكن لتونس أن تُصبح نموذجًا للتواصل السلمي؟
سهّل المكتب دبلوماسيةً على مستوى منخفض وتبادلاتٍ ثقافيةً عرضية. كان مساحةً للحوار، وللاستكشاف التجريبي لما قد تبدو عليه علاقةٌ طبيعية.
ثقل التاريخ
لكن العالم في عام ١٩٩٦ لم يكن مستعدًا لقفزات جريئة. كانت اتفاقيات أوسلو تتعثر، وكان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يخيم على كل محاولة للتقارب. بالنسبة للعديد من التونسيين، ظل التضامن مع فلسطين هو الأهم. أصبح مكتب الاتصال رمزًا للخلاف، وهدفًا لانتقادات من اعتبروه يُقوّض الموقف الجماعي للعالم العربي.
الحلم الذي تلاشى
بحلول عام ٢٠٠٠، أُغلق مكتب الاتصال، ضحيةً للانتفاضة الثانية وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط. ومع ذلك، ظلّ موجودًا خلال تلك السنوات القليلة – محاولة هشة لكنها ذات مغزى للتواصل. لقد أثبت أن الحوار ممكن حتى في أصعب الظروف. لقد غرس بذرةً لما يمكن أن يكون، تذكيرًا بإمكانية بناء الجسور حتى في ظلّ الصراع.

Leave a Reply